الغزالي

5

إحياء علوم الدين

الباب الأوّل في فضيلة الأوراد وترتيبها وأحكامها فضيلة الأوراد وبيان أن المواظبة عليها هي الطريق إلى الله تعالى اعلم أن الناظرين بنور البصيرة علموا أنه لا نجاة إلا في لقاء الله تعالى ، وأنه لا سبيل إلى اللقاء إلا بان يموت العبد محبا لله تعالى ، وعارفا باللَّه سبحانه ، وأن المحبة والأنس لا تحصل إلا من دوام ذكر المحبوب والمواظبة عليه ، وأن المعرفة به لا تحصل إلا بدوام الفكر فيه وفي صفاته وأفعاله ، وليس في الوجود سوى الله تعالى وأفعاله ، ولن يتيسر دوام الذكر والفكر إلا بوداع الدنيا وشهواتها ، والاجتزاء منها بقدر البلغة والضرورة ، وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق أوقات الليل والنهار في وظائف الأذكار والأفكار ، والنفس لما جبلت عليه من السآمة والملال لا تصبر على فن واحد من الأسباب المعينة على الذكر والفكر ، بل إذا ردّت إلى نمط واحد أظهرت الملال والاستثقال ، وان الله تعالى لا يمل حتى تملوا ، فمن ضرورة اللطف بها أن تروّح بالتنقل من فن إلى فن ، ومن نوع إلى نوع ، بحسب كل وقت لتغزر بالانتقال لذتها ، وتعظم باللذة رغبتها ، وتدوم بدوام الرغبة مواظبتها ، فلذلك تقسم الأوراد قسمة مختلفة ، فالذكر والفكر ينبغي أن يستغرقا جميع الأوقات أو أكثرها ، فان النفس بطبعها مائلة إلى ملاذ الدنيا ، فان صرف العبد شطر أوقاته إلى تدبيرات الدنيا وشهواتها المباحة مثلا ، والشطر الآخر إلى العبادات رجح جانب الميل إلى الدنيا ، لموافقتها الطبع ، إذ يكون الوقت متساويا فانّى يتقاومان والطبع لأحدهما مرجح ، إذ الظاهر والباطن يتساعدان على أمور الدنيا ويصفو في طلبها القلب ويتجرد ، وأما الرد إلى العبادات فمتكلف ، ولا يسلم اخلاص القلب فيه وحضوره إلا في بعض الأوقات ، فمن أراد أن يدخل الجنة بغير حساب فليستغرق أوقاته في الطاعة ، ومن أراد أن تترجح كفة حسناته وتثقل موازين خيراته فليستوعب في الطاعة أكثر أوقاته ، فان خلط عملا صالحا وآخر سيئا فامره مخطر ، ولكن الرجاء غير منقطع ، والعفو من كرم الله منتظر ، فعسى الله تعالى أن يغفر له بجوده وكرمه ،